منى سلمان : كلامو صااااااح

لاحدى امهاتي الحبيبات لازمة قول لطيفة، تكثر من استخدامها لتأييد وجهة نظر أو قول صدر عن شخص، وتم ذكره اثناء الونسة في غياب القائل .. تحدثها بأن فلان قد قال كذا وكذا، فتمط القول مطا لطيفا: أيوة فلان (كلامو صااااح)، أو فلانه (كلاما صاااح) ..
تلك الرمية على قولة استاذنا البوني، اتيت بها للتعليق على بعض ما صدر من تصريحات دكتور (حسن الترابي) الاخيرة، فقد صرّح لاحدى الصحف عن مجمل اراءه في طريقة تنفيذ احكام الشريعة، وكان من بين ما قال (ان الاحكام التي تهدي لبس المرأة والرجل اخلاقية للمجتمع وليست قوانين تنفذها السلطة)، مما دفعني لاطلاق لازمة عمتي المحبوبة: والله الزول ده (كلامو صاااااح) !!
بالامس القريب طالعت مجموعة صور (تراثية)، قام بنشرها موقع الراكوبة الالكتروني، التقطت لنساء سودانيات في نهاية القرن التاسع، وكان القاسم المشترك بين اولئك النسوة، خلو اجسادهن من ااااي اثر للملابس، إلأ من سيور جلدية (رحاطة) احاطت بخصورهن، ومنهن من كانت تلف نصفها الاسفل بـ (قرقاب) .. نظام حشمة وكده !!
لم تكن النسوة من اصقاع نائية ولا غابات مغلقة، ولا ينتمين لقبائل بربرية متوحشة، بل كانت فيهن واحدة (مشلخة مطارق) .. يعني نسوان حضر ما جايات من ادغال متوحشة، وما يؤكد هذا الزعم عندي أن أمي – رحمها الله – وهي من مواليد أم درمان قلب السودان النابض، وقد ولدت وتربت كحال أمهاتها في احد احياء ام درمان العريقة .. حكت لي (من خشما لاضاني) ان العروس في زمن حبوباتنا كانت ترقص وهي خالية من المحيط والمخيط إلا من رحط جلدي .. ربما جاءت منها عادة (قطع الرحط) فقد كان العريس يمسك بعدد سبعة سيور من جلد الرحط ويقطعها بسكينه ثم يلقيها فوق رؤوس الحاضرات .. !!
ما علينا، المهم هذا الكلام يعني ان نساء السودان وخلال قرن من الزمان، دخلن في دين الله افواجا .. وتخلن طوع ارادتهن عن لبس السيور الجلدية، والتزمن باللبس الساتر والاحتشام، ليس خوفا من (سوط) ولا هربا من (كشة)، ولكن اتباعا لنور الحق والعلم والمعرفة ..
في طفولتنا الـ (قريبات دي)، كنا نحضر جلسات (دق الزار) التي تقيمها نساء الحي، ونتابع ذبح ذبائح اهل بها لغير الله، وتمسح وربما شرب من دماء تلك القرابين .. كنا نتابع كل ذلك من بعيد، لم يمنعنا من الاقتراب إلا خوفنا من (نمنمي) أحد ملوك الجن الاحمر يبدو انه كان مولعا بشرب دم الاطفال أو هكذا كانت تخيفنا امهاتنا لنبتعد عن المكان، ثم كان ان جمعتني مناسبة اجتماعية باحدى شيخات الزار القديمات، وعندما حدثتها بذكرياتي عن تلك الممارسات، اجابتني باجابة بليغة بأن ذلك كان (زمن الجاهلية .. ربنا يغفر لينا منو)، دق الزار .. التوسل بالفقرا .. النديهة .. وغيرها من الممارسات الخاطئة تركتها امهاتنا طائعات مختارات عندما علمن بخطئها ..
وفي مصر القريبة دي، ظل النظام هناك يحارب مظاهر التدين وأولها لبس الحجاب، طيلة عقود من الزمان، ورغم ذلك تزايدت اعداد المرتديات للحجاب حتى تحولت غير الملتزمات به لـ(أقلية) ..
من كل ما سبق اردت القول ان القوانين لا تفرض المثل والاخلاق بالقوة .. نعم لابد من القوانين العامة التي تضبط حركة المجتمع وتضمن امنه وسلامته، ولكننا ضد ترويع النساء و(استقصادهن) ..
الحل البديل لضبط التفلتات الاخلاقية و(اللبسية) في المجتمع يأتي بـ تفعيل دور منظمات الفكر والدعوة .. دروس الفقة في المساجد للنساء .. مناهج التوجية التربوي في المدارس .. برامج التوعية الدينة من خلال الوسائط الحديثة، شريطة ان تكون غير نمطية ولا مملة، كتجربة (ام بي سي) والتي تحدثت عنها في مادة سابقة مثل برامج (خواطر) و(لو كان بيننا)، ومثل برامج الشيخ (طارق السويدان) التي تقدم الارشاد الديني بجرعة جاذبة مواكبة لروح الشباب ..
وقبل كل ذلك توعية الأسر بدورها في الرقابة على الابناء والبنات لحمايتهم من شرور الزمن .. ففي الغرب مكاتب استشارية تعنى بمعالجة مشاكل المتزوجين قبل لجوءهم للطلاق، وقد انتقلت الفكرة للدول العربية فتم فتح العديد منها في الخليج .. ماذا لو شجعنا فكرة مكاتب استشارية تعين الاباء والامهات على كيفية تربية الابناء ؟ فكثير من الامهات واللاتي يقع عليهن العبء الاكبر في التربية، يتعاملن مع اطفالهن كالدجاجات .. (يلدن ويطلقن) .. ثم نشكو من بنات آخر زمن واولاد آخر زمن وفعائلهم العجيبة ؟!!
رغم ذلك اهلنا قالوا زمان .. (الما رباهو أمو وأبوهو بتربيهو الدنيا) .. قالوا (الدنيا) هي البتملطشو وتوريهو الصاح من الغلط .. مش ناس (….) !!
( أرشيف الكاتبة)

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *