منى سلمان : اجيال غير حضارية

ذات عصرية، وبينما السيارة تنهب بنا شارع النيل نحو ام درمان .. كان الطريق شبه خالي إلا من سيارة كانت تسير أمامنا بمسافة معقولة .. لم تكن المسافة بين العربتين بالبعد الذي يحجب عني من بداخل السيارة الأخرى، فقد كانت مزدحمة بمجموعة من الاطفال متفاوتي الاعمار، يبدو انهم كانوا بصحبة والديهم في مشوار كـ (حلاتنا) .. مالفتني ان الاطفال كان معهم كيسا من الموز – لعله نظام تصبيرة – فقط كانوا يتناوبون الرمي بقشر الموز على جانبي الطريق عبر نوافذ السيارة وكأنهم في منافسة على ذلك ..
سرحت بخاطري وانا اتابع هذا التصرف غير الحضاري، وكيف ان والدي الاطفال كانوا مندمجين في الونسة بـ (قدام)، بصورة شغلتهم عن متابعة فعائل الابناء في الخلف، وان كنت اشك في قيامهم بأي ردة فعل ان انتبهوا ..
تذكرت ما تابعته في أحدى حلقات برنامج (خواطر) المميز بقناة الـ (ام بي سي)، فقد حكى الاستاذ (أحمد الشقيري) مقدم البرنامج عن متابعته لموقف لفت نظره بشدة، فحسب روايته، كانت هناك مباراة لكرة القدم في احدى دول الخليج بين منتخبها القومي والمنتخب الياباني .. كان الاستاد ممتلئ عن اخره بمشجعي الفريق الوطني من اهل البلد ومقيميها، ما عدا جزء صغير من الاستاد حوالي الـ(ثلاثمائة) مقعد حجزت للجالية اليابانية، مالفت نظر الاخ مقدم البرنامج هو ما لاحظه بعد نهاية المباراة، فقد ترك المشجعون الاستاد خلفهم وكأنه مقلب كبييير للقمامة .. اكياس الشبس والفيشار وقوارير المياة والعصاير وبواقي الاكل وو … ما عدا المكان الذي كان يحتله اليابانيون فقد ظل نظيفا يلمع لا يوجد عليه أي مخلفات ولو مجرد منديل ورق طائر !!
في كل مرة نرى فيها تصرفا من صميم الاسلام يصدر من غير اهله، ونفقده ممن هم أولى بإتيانه، تصيبنا حيرة كحيرة الامام الشيخ (محمد عبده) عندما قام بزيارة فرنسا فوجد فيها تعاليم الاسلام يعمل بها من هم ليس مسلمين ..
لا ادري كيف ومتى يجد مسئولي التربية والتعليم في بلادنا الاسلامية، الرغبة والعزيمة على ادارج قيم الخير والجمال التي يحض عليها ديننا الحنيف، في مقررات تعليم النشء، فبينما تخاف بعض الانظمة العربية من (سيرة الدين)، وتلزم واضعي مناهجه بريجيم قاسي للمقرر، يجعله مختصرا على مطالعة اركان الاسلام من باب العلم بالشيء، بجانب الفاتحة والاخلاص والمعوذتين لزوم اداء الصلاة والتي يكون من المحبذ اداءها في البيت خوفا من القيل والقال وكثرة السؤال من العسس واهل الدرك كما كان يحدث في تونس قبل ان يفهمها (بن عليها)، وبين دول تعاني مقررات التربية الاسلامية فيها من التخمة والبدانة، من فرط ما كدث فيها من معارف اسلامية دون التمييز بين سن الطلاب وبين ما يتوافق مع فهمه واحتياجات المرحلة العمرية، بصورة جعلت من تلك المقررات (بعبع) يخيف الاطفال الموعودون بـ (شد الفقلة) اذا لم يستوفوا حفظها دون تدبر او فهم ناهيك عن الاقتداء بها وجعلها منهج حياة واسلوب عيش ..
ومن تلك المفارقات معاناتي في العام الدراسي السابق، في شرح مقاصد سورة (المجادلة) لابني الصغير ذو التمانية سنوات، فقد اشكل عليه فهم معنى حكم (الظهار) عندما يقول الرجل لزوجته (انت علي كظهر امي) !!
نعم، نحن نعلم ان المقرر قصد الاستفادة من امكانات الحفظ لدى الاطفال، فجعل طالب الاساس يقوم بحفظ جزئين من القراءن الكريم على اقل تقدير عند نهاية المرحلة، ولكنه للاسف ينسى ما حفظه بعد نهاية الامتحان مباشرة، ما لم يتكفل معلمي المدارس الخاصة للتخفيف عن طلابهم المدللين بـ اختصار المقرر لـ عشرة ايات من كل سورة كـ (ضرب مثل) وكان الله يحب المحسنين .. اما كان في الامكان ان يكون مقرر الحفظ من السور المختارة بعناية خاصة كي توائم فهم الطفل، وتلائم حوجته لمعرفة التعاليم والقيم السمحة من النظافة وطهارة النفس واليد .. التراحم ..التكافل .. الامانة وغيرها من القيم التي يجب ان يتربى عليها الطفل المسلم، بجانب التركيز على السلوك الاسلامي الرفيع من السنة والسيرة الشريفة، لينشأ الطفل كـ (مسلم اصلي) وليس (ياباني مستورد) يستورد الحضارة والتصرفات الحضارية من اهل حضارات ليس لهم نصيب من الاسلام إلا الخصال ؟!!
(أرشيف الكاتبة)

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *