حيدر المكاشفي : دروس وعبر لمن يعتبر

وأنا أتأمل مناشدة مدير الشرطة لمنسوبيه من الشرطيين بضرورة معاملة المحبوسين والمتهمين بلطف، ثم أقرؤها وأقرنها ببعض ما عليه حال العباد وأوضاعهم التي تراوحت ما بين مؤلمة ومأزومة، ومن ضمنها ما عليه حال مهنة الصحافة، طافت بذهني حكايات قديمة، أولاها حكاية حقيقية وواقعية كما يقول الراوي الناقل لها، وهي أن الراوي الأصلي عندما كان يتابع عروضاً للسيرك، لفت نظره مشهد جانبي مؤثر للغاية جعله يهتف (سبحان الله وما دايم إلا وجه الله)، وذلك عندما رأى لأول وهلة ما حسبه كلباً ليتضح له أنه أسد عندما دنا منه وتفحصه، لقد تقزم الأسد وتساقط شعره حتى بدا للرائي غير المدقق مثل الكلب، أو قد يراه آخرون مثل الخروف، وكان هذا الأسد الهزيل الخجول يتمسح بجدران القفص ويشمشم في الأرض، يقول الراوي وبينما هو مذهول من هذا الحال الذي آل إليه الأسد ملك الغابة وصاحب الحول والطول، إذا بمشهد آخر يزيده ذهولاً على ذهول، وذلك عندما تقدم ناحية الأسد أحد المروضين وأخرج من جيب الجاكيت الذي كان يرتديه كيساً من الورق به سندوتش فول قسمه إلى نصفين، قدم للأسد أحدهما وبدأ هو في التهام الآخر، وكذا فعل الأسد الذي كان أيام عزه وسطوته يفطر بغزال كامل ويتغدى بحمار وحش ويتعشى ببضع أرانب، فتدور عليه الدائرة ويخني عليه الذي أخنى على لبد، فيصبح نصف سندوتش فول وجبة دسمة يلتهمها بتلذذ وهو يتلمظ.
وحكاية سودانية أخرى لا ندري حقيقتها ولكنها على كل حال تروى على سبيل الطرفة، وهي أيضاً تؤكد حقيقة أن لا دائم إلا وجه الله، وتحقق مقتضى الآية الكريمة (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..)، والحكاية تقول إن أحد الزعماء المايويين عندما تصبب عرقاً داخل إحدى زنزانات سجن كوبر العتيق في أحد النهارات الساخنة (التي تقلي الحبة)، وكان قد حل نزيلاً بهذا السجن مع كوكبة أخرى من الزعامات المايوية على أيام انتفاضة أبريل، صرخ في رفقائه وهو يتميز من الغيظ والكتمة (ما قلنا ليكم كندشوا السجون) تحسباً لمثل هذا اليوم العبوس القمطرير.
وللشيخ القرضاوي عندما كان حبيساً في سجون مصر يعاني الأمرّين، كلمة تصلح للتذكير بها في هذا المقام، مقام أن ما تسومه الآخرين من بطش وأنت على قوة وسطوة سيحيق بك لا محالة عندما تدور عليك الدائرة، وتنقلب عليك الدنيا الدوارة، وتفقد السلطة (ضل الضحى)، قال القرضاوي بعد أن وجد عنتاً ومشقة حتى عندما يريد أن يقضي حاجته، ما معناه أنهم كانوا يناضلون من أجل حرية القول، ولكن عندما أدخلوهم السجون وعذبوهم نسوا حرية القول وصاروا يناضلون من أجل حرية البول.. كل هذه دروس وعبر ولكن من يعتبر.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *