اسحاق الحلنقي : نجم سقط من الأرض على السماء

٭ من عصور بعيدة تعودنا أن نرى تساقطاً للنجوم على الأرض, ولكننا لم نسمع بنجم سقط من الأرض على السماء إلا صباح أمس الأول ، كان هذا النجم هو سعد الدين إبراهيم ذلك الجمال الذي رحل عنا كومضة من شموع المعابد ، كان إذا تحدث إليك سعد تشعر وكأنه بستان يتكلم ، كان إذا أسمعك شعراً شعرت أنه يدعو الحمائم البيضاء أن تعود إلى أعشاشها سالمة قبل أن تنالها بنادق الصيادين ، لم يكن مثل كثير من الشعراء يبحث عن السيارة الفارهة أو القصر المنيف أو زهرة يتنسم عبيرها في عالم كله أكاذيب ، بل كان كل همه أن يعود آخر المساء إلى أسرته الصغيرة يضمها بعينيه ثم ينام كما ينام الفراش على حضن زهرة مباركة ، أسأل الله أن يتغمده برحمة واسعة ما حلقت حول الكعبة حمامة تناجي أو غرد كنار على ضفة نهر.
٭ من كان يصدق أن هتلر السفاح الألماني المعروف الذي كاد أن يحكم العالم ، كان إذا مرت به قطة سوداء انهار خوفاً ، ذكرت ذلك خليلته (إيفا براون) وأشارت إلى أنها شهدته مرة يمشي على جماجم الموتى دون أن يرتعش له جفن وبالرغم من كل ذلك كان يتحول إلى طفل في عامه الثالث بمجرد رؤيته لقطة سوداء ، الغريب في الأمر أن (إيفا براون) لحقت بهتلر بعد لحظات من انتحاره حيث تناولت كأسا من السم, كانت قد عاهدته على الموت بها فارتحلا سوياً وهما يأملان أن يلتقيا في حياة أخرى.
٭ قال الشاعر عبدالوهاب البياتي أنه مغرم بفوضوية أشجار الغابات، وأكد أنها الأجمل بكثير من الغابات المنسقة بمقص حديدي اعتاد أن يغتال جمالها كل صباح، وقال إن صاحب هذا المقص قصد أن يعمل على تجريدها من بهائها، وأضاف أن الفوضى في ضفائر العذارى أجمل ألف مرة من جلوسهن تحت رحمة (مصففات الشعر) فيعملن على قص أمواجه الحريرية دون أن يعلمن أن في ذلك جناية في حق كل مبدع يستوحي إبداعه من شلال أمواجه سوداء .
٭ سألني أحدهم :ماذا يعني لك الاغتراب الروحي؟ فقلت له إن الاغتراب الروحي شيء مثلث من أوجاع راسخ في أعماق كل مبدع ، وفي رأيي أن الشاعر يولد وفي داخله روح شفيفة متوجة بالسمو ، روح تطالب بمدن فاضلة، ولو أن أفلاطون خرج من قبره لكان أفنى هذه النظرية وبكى عليها لأن الواضح جداً أن الظلمة في هذا الزمن قد تغلبت على النور فأصبحت الغلبة للغروب ولم يعد للشروق مكان إلا في الزوايا.
٭ ذكرت من قبل أن غربة قيصر الأغنية السودانية حسين بازرعة استمرت أكثر من أربعين عاماً دون أن تتمكن أمواجها السوداء من كسر كبريائه بل ظل منتصراً عليها بصبره طوال وجوده بين أنيابها على مدى أعوام،ظل هذا القيصر يضئ مصابيحه بيده المرهفه على أضواء شحيحة من الحزن ثم يبدأ الكتابة ويطل علينا بشعر اشبه بعبق الصندل على ضفيرة عروس وظل يحملها صابراً إلى أن عاد الينا وقد وهن عظمه وكف بصره، عاد إلينا بحثاً عن اتكاءة صغيرة بين أحضان بلد طالما أحبها ونحن حرام علينا نرى قيصرنا يتلاشى أمام أعيننا دون أن نتكرم عليه بمجرد الزيارة للاطمئنان ، وأنا من هذ المنبر أناشد الوزير الإنسان سيد هارون أن يتكرم عليه ولو بزيارة عابرة تمسح عنه جراحات أيام قضاها بيننا دون أن نشكره بابتسامة يستدفئ بها من شتاء طويل.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *