عثمان ميرغني : (منو البقنع الديك)!!

عثمان ميرغني : (منو البقنع الديك)!!

هو مثل شعبي سوداني معروف.. وله قصة معروفة.. تحكي أن رجلاً مصاباً بالوسواس فيظن نفسه حبة ذرة.. وأصبح يخاف من رؤية الديك خشية أن يلتقطه بمنقاره..فأخذه أهله إلى المعالج النفسي.. وبعد أيام من جلسات العلاج قال الرجل للمعالج (خلاص أنا اقتنعت أني ما حبة ذرة.. لكن منو البيقنع الديك؟)!
أمس الأول؛ في برنامج (وطن اب) على شاشة قناة النيل الأزرق.. الدكتور أحمد بلال وزير الإعلام نفى عن الحكومة (تهمة الفساد).. وأنا – كاتب هذه السطور- من عندي أثني.. وأؤيد أحمد بلال.. وأبصم بالعشرة وأقول بملء فمي (نعم الحكومة ما فيها فساد).. ولكني أضيف (بس منو البيقنع الديك)!
و”الديك” هنا هو الحكومة نفسها.. من يقنع الحكومة بأن الحكومة ليست فاسدة؟
أكبر مروج لحكاية أن الحكومة فاسدة، هي الحكومة نفسها.. بتكرار نفيها عن نفسها تهمة الفساد.. فهي الأكثر حاجة لمعالج نفسي يقنعها بأنها(حكومة) و ليست(حبة ذرة).. فلا داعي لأن تخاف من(الديك)!!
سادتي؛ معنى الفساد “الرسمي” هو أن يرتكب رجل أو امرأة مخالفة صريحة(صغيرة أو كبيرة) بحكم موقعه الرسمي.. كأن يسرق مالاً عاماً (عيني عينك) بلا أدنى غطاء.. أو يستغل نفوذه للحصول على مكاسب بغير وجه حق، أو يساعد آخرين في الحصول على مكاسب بغير وجه حق، وأشكالاً أخرى كثيرة كلها تندرج تحت عنوان (الفساد).. لكن؛ كل هذا الفساد لا يمكن أن ترتكبه (الحكومة)؛ لأن تعريف (الحكومة) أنها مجموعة القوانين والتشريعات والنظم التي تدير (الدولة).. بعبارة أخرى؛(الحكومة) هي مجرد كائن اعتباري (افتراضي) فهي لا ترتكب الفساد؛ لكن المفسد هو من يستغلها لتحقيق مغانم مهما كانت كبيرة أو صغيرة.
أهمية هذا التعريف في كونه يجعل مسؤولية الفساد على الشخص الطبيعي الذي يتولى المسؤولية الحكومية.. وطالما هم بشر فالنزوات الإنسانية طبيعية..(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه).. فليفسد من أراد كما يريد.. لكن عليه أن يدرك أنه هو المسؤول عن فساده.. وليست(الحكومة)!
لكن المشكلة العويصة.. أن(الحكومة) مصممة على أن الفساد(منسوب) للحكومة.. فما أن يتفوه أحد بكلمة (فساد) إلا وترفع (الحكومة) البطاقة الحمراء وتشير بصرامة بأصبعها إلى (خارج الملعب)!
ما أن تظهر في الأفق أحاديث عن فساد مسؤول.. حتى تقفز(الحكومة) بكلكلها تدافع عنه وتنفي التهمة كأني بها المتهمة وليس المفسد.. ولو تركت الحكومة كل مسؤول يواجه مصيره.. ويدافع عن نفسه لأراحت نفسها وأراحتنا.. لكن من يقنع (الديك)!
راجعوا كل الأخبار التي راجت عن فساد.. تكتشفوا الصورة المحيرة.. المسؤول المفسد مرتاح البال يردد مع أبي الطيب المتنبي :
أنام ملء جفوني عن شواردها.. ويسهر الخلق جراها ويختصم.
يفسد المفسد؛ والحكومة تلهث وتنقطع أنفاسها وهي تدافع عنه لتبرئ ذمته.
من يقنع “الديك”.. أن فساد المسؤول.. مسؤول عنه المسؤول..!!
وليس “الديك”..

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *