جعفر عباس : التعريب من دون إعراب

جعفر عباس : التعريب من دون إعراب

خضت كثيرا وباستياء في أمر التعريب القسري لأسماء البلدان والأشخاص، ومازلنا إلى يومنا هذا نتحدث عن مدينة إسبانية اسمها إشبيلية، وأخرى اسمها غرناطة، ولو بحثت عن الاسمين في الأطلس فلن تجدهما، لأنهما اندثرا باندثار حكم العرب للأندلس عام 722م، وبالمناسبة فإنني أستاذ في مجال إثبات عروبة جميع المشاهير ابتداء من جمعة كارتر، ومرورا بكوفي أنان (عنان؟!)، وهو بالمناسبة عراقي الأصل.. ومن الكوفة على وجه التحديد، وقد فر أسلافه من العراق بعد إجهاض ثورة الزنج، ولجأ جده الأكبر إلى منطقة في وسط غرب إفريقيا، وكي لا ينافسه بقية أقاربه على ملكية تلك المنطقة وضع عليها لافتة تقول «هذه مالي»، ومالي في لهجة أهل العراق والخليج تعني «ملكي» أو «بتاعي» أو «بتاعتي»، وهكذا ولدت جمهورية مالي التي لم يطل بها مقام جده؛ إذ سرعان ما ارتحل عنها حاملاً «ماله» ومتاعه إلى منطقة ساحلية، فعثر فيها على مناجم ذهب وسمى تلك المنطقة «ساحل الذهب»، وتغير اسمها فيما بعد إلى «غانا».
وقد زادني الكويتي فؤاد الهاشم من الشعر بيتا عندما قال إن لبنانيًا اسمه «سا» هاجر فيما مضى إلى منطقة في أوروبا تطل على البحر الأبيض المتوسط، وافتتح هناك فرنًا أو مخبزًا سماه «فرن سا» وهكذا ولدت «فرنسا» على يد داية لبناني اسمه سا.
وطالما أننا نستخدم التعريب القسري للتكويش على المشاهير فلا بدَّ أن نعزز موقفنا بتسفيه أمجاد الآخرين والحط من قدر إنجازاتهم باستخدام سلاح التعريب نفسه.. فمثلاً لأنّ نابليون هزمنا عسكريًا وبهدلنا وادَّعى أنه اعتنق الإسلام، ثم ارتد فهزمه الله في معركة ووترلو، فبإمكاننا مرمطته بأن نترجم اسم تلك المعركة ترجمة أمنية: «ووتر» تعني «ماء».. و«لو» تعني مرحاض أو دورة المياه، وبناء عليه ينبغي أن نقول في كل أدبياتنا إن نابليون هُزم وانتهى في «دورة المياه».
والتعريب مفيد أيضًا في إثبات حقوقنا التاريخية في مختلف أنحاء العالم؛ فمثلاً مازالت بريطانيا لا تعترف بملكية العرب لمنطقة بيزووتر في لندن على الرغم من أن المنطقة تحمل اسما «عربيًا» هو «ماء الخليج» أو «مياه الخليج»، ومن المؤكد أن الملكة العربية شجر الدر زارت تلك المنطقة لتفقد رعاياها وسارت في موكب مهيب عبر الطريق الذي شق تلك الضاحية وخلد تلك الزيارة بعد أن أصبح اسمه كوينزواي، أي «درب الملكة»، ولعل كثيرين لا يعرفون أن العرب عندما أسسوا لندن سموا واحدًا من أهم شوارعها «شجر الدر»، ولكن الإنكليز ناكري الجميل حرَّفوا الاسم إلى «أدجوير».. ومع ذلك فإنّ العرب بحسهم الغريزي أدركوا أنهم ينتمون إلى ذلك الشارع فاحتلوه ابتداء من سبعينيات القرن الماضي، وتأكيدًا لتملكهم لهذا الشارع تجد فيه شخصًا يجلس على كرسي واضعًا خرطوم الشيشة أو النارجيلة على فمه، بينما الجزء الذي يحوي التبغ المشتعل في مقهى على الشارع المقابل، أي أن الخرطوم يمتد بعرض الشارع تأكيدًا لطول النفس العربي وصبر العرب على المكاره، ولحرصهم على أممية النضال ضد الفقر والمرض فإنهم يسافرون إلى لندن صيفًا لشفط الشيشة وأكل الشاورما والكباب وحضور الحفلات التي يحييها المطربون والراقصات العرب، وذلك دعمًا لاقتصاد بريطانيا الشقيقة على الرغم من أنها هي التي سببت «الشقيقة» أي الصداع النصفي لأمة العربان (يقول بعض اللغويين إن الصحيح هو أن تكتب هذه الكلمة الأخيرة بالغين «غ»). ولكننا نؤمن بفضيلة التسامح، ونسافر صيفًا وشتاء إلى لندن للتداوي من البواسير والإسهال والإمساك وغازات المعدة، وما إلى ذلك من أمراض مستعصية لا يعرف عنها الأطباء العرب المتخلفون شيئًا!
بعد أن نجح بعض العلماء ذوي الأصول العربية في استنساخ الخراف والقرود علينا شراء تقنية الاستنساخ الجيني -وهو على كل حال نوع من الفوتوكوبي– وننتج نسخًا خاصة بنا من العلماء وكريستيانو رونالدو. وبالمناسبة هناك سلفًا مادونا لبنانية.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *