الطاهر ساتي : المستشار الرابع ..!!

الطاهر ساتي : المستشار الرابع ..!!

:: ومن حكم أهل اليونان في إدارة شئون المجتمع، تفشى التبرج في المدائن، ولم يعد هناك ما يستر عورات النساء غير غض البصر.. فأستاء الملك، وأصدر قراراً بمنع التبرج ومعاقبة المتبرجة بالجلد والسجن والغرامة..فغضبت النساء، وأضربن عن إعداد الطعام ثم عن الزواج والإنجاب..فخاف الملك، إذ هو بحاجة الى فرسان يحمون الديار، ثم هو بحاجة الى فرسان يحمون عرش نجله المرتقب، بيد أن النساء أضربن عن الإنجاب..قرار منع التبرج ملزم ويسري في المدينة، ولكن رد فعل النساء يهدد أمن المدينة وعرش الملك بالإنهيار..!!
:: جمع بطانته في قاعة الإستشارة وطرح المخاوف، ثم إنتظر الرأي..قال أحدهم : نجلد نصف النساء، لتخاف النصف الآخر، وتطبخ وتنجب..وقال الأخر : نسجن نصف النساء، لتخاف النصف الآخر وتطبخ وتنجب..وقال الثالث : نغرم ونسجن ونجلد كل إمرأة تضرب عن الإنجاب وإعداد الطعام..كاد الملك أن يكتفي بهذه الآراء المسماة – سياسياً – بالحاسمة، ثم الآخذ برأي المستشار الثالث، وأمر بقفل رفع الإجتماع وصياغة قرار الغرام والسجن والجلد، بحيث يكون ( القرار الثاني).. ولكن قبل أن يغادر القاعة، همس المستشار الرابع : (لي رأي آخر يامولاي)..!!
:: فأذن له بالحديث، فقال : ( أرى بأن تصدر قراراً بإستثناء النساء غير الجميلات من تنفيذ قرار منع التبرج )..فتعجب الملك وبطانة السوءمن هذا الرأي الغريب..وكادوا أن يفتكوا به بلسان حال قائل : ( أتريدنا بأن نرجع عن قرارنا، بحيث تصفنا الرعية بالضعف؟)، فأجابهم بالنفي، ثم كرر بإصرار : ( إصدر قرار الإستثناء يامولاي، ثم أسجني إذا تبرجت النساء أو أضربن عن الطبخ والإنجاب)، فأستجاب الملك، وأصدر القرار .. ( إستجابة لمناشدة النساء غير الجميلات، إستثنيناهن من قرار منع التبرج، فليتبرجن حتى يحظين بأزواجهن، على أن يكون قرار المنع ملزماً للنساء الجميلات.. صدر تحت توقيعي).!!
:: أصبح الصبح، وكانت الشوارع خالية من التبرج..وإنتصفت الظهيرة، وكانت الشوارع تضج بالفرسان والمطابخ بالنساء ..وعندما إنتصف الليل، إمتلأت الفضاءات بهمسات العشق التي تسبق الإنجاب.. لقد نجح نهج المستشار الرابع بحيث يصبح قراراً إيجابياً في المدينة..لم تتبرج النساء، إذ كل إمرأة ترى في ذاتها كل جمال الكون..ولم تغضب النساء من قرار يستثني غير الجميلات بالتبرج، إذ كل إمرأة تظن بأن هذا القرار لايستهدفها..وهكذا نفذت نساء المدينة قرار منع التبرج طوعاً وإختياراً، و بمنتهى المباهاة بجمالهن الذي لم يعد بحاجة الى ( التبرج) ..!!
:: وهكذا كان مفعول سحر القيادة الملهمة في إدارة حياة الناس..هذه محض حكمة مغزاها أن الإدارة البوليسية أو الأمنية للشؤون المجتمع لا تصلح الحال العام مهما كانت قوتها وجبروتها.. بالبرامج والمناهج و المشاريع – في المجتمعات المستقرة أمنياً وسياسياً وإقتصادياً ونفسياً – تكتسب الأجيال الوعي والمعرفة، وتتجنب كل دروب الجهل..والأجيال التي يربيها نهج الإدارة البوليسية فقط لا تخرج إلى الحياة إلا وهي مشبعة بروح العنف والتمرد على كل قيم الحياة الفاضلة ..والقيادة المُلهمة لا تكتفي بتُرهيب رعيتها بالجلد والسجن بمظان (منع التبرج)، بل تُرغّبها أيضاً – على العفاف – بأفكار وبرامج ومناهج تمشي على الأرض آخلاقاً وآداباً.. وعليه، فالمفقود حالياً على مستوى الدولة هو نهج المستشار الرابع ..!!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *