اسحق احمد فضل الله : الشَعْبة… والحبل

(وحدث صاحب الحانة ينزل لي الرابة)
هذا هو صلاح (أخو فاطمة احمد ابراهيم) يدعو الشعب كله للأندية للاحتفال بثورة أكتوبر
والعرب تقول (فلان هتاك غايات التجار)
(والغاية) وهي راية الأنداية ترفعها صاحبة المحل للبيع.. ومن ينزلها يبيح الخمر للناس دون ثمن
وصلاح يدعو الشعب للاحتفال بثورة اكتوبر.. التي كانت هي الخراب كله
ونحن/ حتى اليوم/ نحتفل بكل الخراب
و..
نحتفل لأن عبقرية سوء التفسير هي ما يقود حياتنا كلها
فنحن ما يكسر ضلوعنا وبلدنا ومستقبلنا وحاضرنا هو أننا (نظن) ونزعم وندعي ونشطح ونفخر وننقز.. دون أن يقول أحد عن الزعيم هذا (كيف) وهو.. أو لماذا
وهياج الرقص يمنعنا من الوقوف لحظة لنستبصر ونراجع.. ونفرز صدقنا من كذبنا فرز القمح من التراب
وحدث رئيس تحرير الانتباهة ينزل لي الصفحة الأخيرة كلها.. كلها.. فنحن الآن أمام حقيقة.. وضرورة ولزوم وبدّ ومهمة وحتمية أن ينفقع أحد.. وأن يقول.. ويقول
فالناس جنت مما تجد.. والمجنون يكربونه في الشعبة.. حتى لا يؤذي نفسه.. ويؤذي الناس
ونحن.. وليس على صاحب الشعبة حرج نقول الآن ونصرخ في وجه كل أحد.. سياسي.. اعلامي وبياع خضار.. أن يسكت ويصمت وينطم.. وكفاية.. كفاية
فنحن شعب يلزمه الآن شيء مثل الشعبة.. يكربه أحد فيها حتى لا يستمر في ايذاء نفسه
والشعبة التي نكرب فيها كل شيء هي أسلوب أهل الثروة الحيوانية في احصاء ماشيتهم.. فأهل الثروة الحيوانية/ لاحصاء القطيع المهتاج في الخلاء/ يكتفون بلقطة فوتغرافية للقطيع من أعلى.. ثم يحسبونه بالقلم
وقطيع الأحداث المهتاج وشخصياته الآن بعض اللقطات الفوتغرافية ترسمها وملاحظة تصبح شهادة كاسرة.. شهادة للأحداث هذه.. هي أن بعض الفصول التالية كتبت في مايو 2003م
نعود اليها.. مقروءة مع أحداث اليوم
نقف.. ونرسم الناس والأحداث.. وماذا ومتى وأين وكيف وماذا ولماذا
بعدها.. نركم أحداث العالم حولنا.. بعدها.. نحكم.. أو.. نزداد جنوناً
ونبدأ بالشخصيات

دار الهاتف 1976م
الحارس الذي كان يجلس وحيداً أمام بوابة دار الهاتف وقف صامتاً وهو ينظر الى الشباب الثمانية المسلحين وهم يدخلون الى هناك في صباح الجمعة الصامت في السادس من يوليو 1976م.
الحارس لم يفهم ما يحدث فهو لم يسمع بقيام انقلاب ولا رأى دبابة ولا شيئاً مما يصحب الانقلابات عادة.. لكن الشبان الذين يدخلون الى هناك كانوا مسلحين بما يكفي.. وكانوا ينطلقون في دقة عسكرية.. وتعليمات خاطفة ويتخذون مواقع قتالية.
لكن العاملين بمطار الخرطوم كانوا يفهمون كل شيء في لحظات وهم يرون ثلاثة وعشرين شاباً مسلحين يحتلون المطار وينتشرون بدقة في البرج والصالة والمكاتب ويتحركون بثقة تكشف أنهم يعرفون جيداً ماذا يريدون.. وكيف.. ويعرفون موقع كل عصب مهم في المطار.
الصاعقة التي استقبلت بها مجموعة المطار لم تكن هي زخات الرشاشات المقاومة بل الصاعقة كانت طائرة تجثم صامتة في المطار.
وكانت هي طائر الرئيس النميري.. وكان وجودها هناك يعني أن النميري قد أفلت.. وأن المهمة الأم قد فشلت.
كان عملاً ذكياً أو هي مصادفة غريبة أن مخابرات النميري تسللت به قبل لحظات من المطار عبر البوابة الجنوبية البعيدة متجاهلة تماماً عربات الموكب الرئاسي السوداء التي كانت تصطف طويلة أمام المطار. وصوت الاشتباك الذي كان يهدر من المدرعات كان يجعل العربات السوداء هذه هي آخر مواصلات يلتفت إليها الناس.
العربات ظلت هناك حتى انطلق بها الشباب الذين احتلوا المطار بعد فشل العملية.
وكان مشهداً له مذاق غريب أن يستقل هؤلاء عربات الرئاسة عند الهزيمة وليس عن النصر.
معارك غريبة أخرى بنتائج أكثر غرابة كانت تمضي هامسة.. ومساء الليلة السابقة كانت المعركة الهامسة تشتعل داخل البيت المغلق منذ شهر في (بري اللاماب) وثلاثون شاباً هناك.. يدبرون للمعركة.
كان أحدهم يدخل من الباب بعد الشفرة المتفق عليها.. وبعد لحظات كانوا يعرفون أن ساعة الصفر هي الخامسة من صباح غد.. وأن مهمة المجموعة هي احتلال المطار ودار الهاتف وملحقاته.
وعند تعيين مجموعة احتلال المطار بدأ العراك.
كل أحد كان يعلم جيداً أن معركة المطار هي محاص الموت وبوابة الجنة.. وكل أحد كان يريد أن يذهب الى هناك.. بينما دار الهاتف مبنى صامت لا يحرسه إلا خفير عجوز.
عند منتصف الليل كانت القيادة الصارمة تحدد الأسماء..
عبدالله محمد شريف.. محمد احمد يوسف.. ادريس همت.. ختم.. احمد عبدالكريم.. حسن سليمان.. عبد الإله خوجلي.. عبدالرحمن محمد.. أميلس.. حسن عوض الله و…
هؤلاء كانوا هم المجموعة التي جلست حزينة فقد كان عليهم احتلال دار الهاتف.. بعيداً عن منطقة الموت..
ولم يكن أحد يخطر له أن المجموعة هذه سوف تكون هي الوحيدة التي تقاتل لثلاثة أيام متواصلة.. وأن سبعة منهم سوف يستشهدون.
في الصباح كانت المجموعة التي أصبح عددها عشرة تنطلق في عربة (استيشن) يقودها غازي صلاح الدين. والمجموعة يقودها حسن عوض الله.
وكلمة (ملحقاتها) التي جاءت في الأمر باحتلال دار الهاتف كانت تعني داراً صغيرة جنوب الخرطوم.. حيث سوداتل الآن.. وكان ثلاثة آخرون يذهبون لاحتلالها وكانوا هم يحيى محمد حسين.. الآن في دبلن.. ومحمود شريف.. الشهيد.. والمقبول..
لو أن مجموعة المطار التي تتجه الى معسكر المدرعات تأخرت ساعة واحدة لاختلف كل شيء.. ولكان النميري قد اعتقل.. لكن.. وبينما كانت مجموعة المطار تتجه الى هناك كانت طائرة النميري تنحدر الى الهبوط.. وهكذا كان النميري يفلت.. قبل وصول مجموعة المطار.
مجموعة احتلال المطار اصيبت بخيبة أمل عميقة واحتلال المطار يكتمل ولم تطلق فيه إلا الضحكات.. لكن احدى الضحكات هذه كانت هي التي تحمل الشهادة لعبد الله ميرغني وعبد الفضيل عبدالله، فالطيار الذي كان يضاحكهما في صالة المطار كان هو الذي يتعرف عليهما بعد يومين مصادفة في الطريق العام ويسرع الى الإبلاغ عنهما..
ثم.. الإعدام..!!
لكن مجموعة دار الهاتف (العشرة) كان سبعة منهم يستشهدون بصورة فذة وبعد معركة ثلاثة أيام ضد كتيبة كاملة.. وحكومة كاملة!!
كلا المجموعتين كانت تستطيع الانسحاب منتصف النهار بعد أن تبين فشل كل شيء لكن الجميع ظلوا هناك فقد كانت (أسرة) المغرب تئز في ذهن كل واحد وصورة رماة الجبل الذين انسحبوا يوم أحد!! وهكذا ظل الشباب في دار الهاتف يقاتلون لثلاثة أيام.. قتال من يعلم أنه لا ينتظر نجدة!!
لم يكن هؤلاء وحدهم هم الذين ظلوا يموتون بصورة غريبة، فالأيام الأولى للنميري جعلت القتال فقرة جديدة في الحياة السياسية السودانية وكثير من الاسلاميين كانوا يعرفون المقاومة بشحنة عاطفية هائلة.. ويجهلون تماماً كيف يطرقون هذه المشاعر سيفاً حديدياً.. وهكذا ظلوا يموتون.. واحداً واحداً
ففي الأسبوع الثاني لانقلاب النميري كان كل أحد يعلم أن قانون الطوارئ الذي يحكم البلاد هو شيء يعني ما يقول.. وكان القانون يقول في بعض بنوده أن التحديق الى صورة رجال الثورة المعلقة على الحائط بعدم رضى هو جريمة عقوبتها الإعدام.. لكن رجال المخابرات كانوا ينظرون بذهول الى الشاب الذي كان يتقدم من المارة في الطرقات ويقوم بتسليم كل منهم ورقة مطبوعة.. كانت الورقة منشوراً اسلامياً معادياً للثورة.
وعند سؤاله عن هذه الصورة الغريبة التي يوزع بها المنشورات كان الطالب عمر حاج الشيخ يجيب ببساطة
: كيف يمكن إلقاء ورقة على الأرض وهي تحمل اسم الجلالة وآيات القرآن؟!
وحكم عليه بالإعدام.
ومثل ذلك تماماً كان ضباط السجن في كوبر ينظرون بدهشة الى الطالب بابكر العوض وهو يعلن شيئاً غريباً.
كان الأمر قد صدر باطلاق سراح المعتقلين من الأنصار بعد شهور طويلة من أحداث الجزيرة أبا.. وعدم اطلاق أي واحد من الاخوان المسلمين.. وكان فرز كل جهة تقوم به الاستخبارات بعد المراقبة الطويلة.. وحين جاءت قائمة الأنصار كانت تحمل اسم بابكر العوض.
عند باب السجن كان بابكر العوض يسأل مستغرباً عن
: لماذا لم تطلقوا أحداً غيري من الاخوان المسلمين.
قالوا: الأمر جاء باطلاق سراح الانصار فقط
قال بابكر: لكن أنا من الاخوان!!
وهاج السجن.. وأعيد بابكر للسجن ليبقى فيه عامين آخرين.
صور لا تنتهي لتصرفات كل أحد كانت هناك يجمعها كلها العداء للنميري.
ولم يكن الاسلاميون والأنصار وحدهم هم الذين يحملون في صدورهم ما لا يعجب النميري، فعدد من ضباط القوات المسلحة انصتوا من بيوتهم لأصوات الاشتباك.. وحين عرفوا أنه انقلاب جديد ظلوا في بيوتهم، فالنميري لم يكن شيئاً يستحق الموت من أجله.
لكن شيئاً حدث
خيانة بعض الجهات كانت تمنع الاسلاميين من الوصول الى الاذاعة.. وتوكل المهمة هذه لآخرين لا يعرفون أين تقع الاذاعة.
وهكذا ظلت الاذاعة صامتة.. لينفجر صوت النميري من اذاعة جوبا يحدث الناس عن تدخل أجنبي.
كان وجود النميري وراء ميكرفون اذاعة جوبا.. بينما الأخرى صامتة يعني أن السلطة هناك.
وهكذا بدأت معركة معسكر المهندسين والمدرعات.. والجهات التي تسللت الى معسكر المدرعات في التاسع عشر من يونيو قبل خمسة أعوام.. اليوم الثالث لانقلاب هاشم العطا.. كانت تتسلل الآن الى هناك.. والمدرعات تنطلق.. وقوة المهاجمين التي احتلت معسكرالشجرة حتى منتصف الليل.. وتجهل تماماً كيف تعمل الدبابات.. تنسحب.
وكانت القوة الرئيسية التي يقودها الصادق المهدي.. والتي كان يفترض دخولها في الفجر.. ما تزال بعيدة عن غرب أم درمان.. ثم كانت اذاعة النميري تجعلها تتحول عائدة.
ولكن معركة دار الهاتف استمرت حتى الرابعة والنصف عصراً.. لم يشهد المقاتلون شيئاً مما كان يفترض أن يكون هو الخطوة الثانية.
وبينما كانت مجموعة المطار تعمل في نشاط ساذج.. وأحد المواطنين في الصالة يشير عليهم بتحويل عربات المطافئ لاغلاق المطار فينطلقون لتنفيذ ذلك.. وجندي من المطافئ يطلق النار عليهم..
ونذر معركة طاحنة تئز فجأة ومجموعة من لواء الردع العربي../ كانت تستعد للسفر الى مصر/ تقترب من المطار.. وكل أحد يتخذ موقفاً للقتال.. ثم تسعى المساعي بين الجهتين ويضع الجنود أسلحتهم والتوتر يتحول الى أنس.
والمقاتلون يشفون أنفسهم بتحطيم زجاجات الخمر التي كانت فوق رفوف سوق المطار.. وينتظرون في حزن أن تنطق الاذاعة بحرف.
حينما كانت مجموعة دار الهاتف تجلس صامتة في قلق وجوع حيث لم يتصل بهم أحد.
عند الرابعة والنصف كان الشهيد حسن عوض الله يبعث غازي صلاح الدين في مهمة استطلاع.
عند بيت في بري كان كل شيء مبعثر.. في الطرقات الصامتة كانت هناك بعض المظاهر العسكرية.
عند عودته كان غازي يدخل الزقاق الصغير الذي يقع الآن خلف الداخلية حين سمع أول زخة من الرصاص.. كان الهجوم على دار الهاتف يبدأ.
عند المغيب كان غازي يصلي المغرب في مسجد صغير بالمقرن.. وبعد المغرب يستمع الى أحدهم وهو يحدثه عن كيف رأى الغزاة هؤلاء قبل يومين وهم يدخلون أم درمان على ظهور الإبل.
وكان يسميهم (المرتزقة)
وكان هو الاسم الذي اطلقه النميري على المهاجمين ثم لم ينسه أحد بعدها.
عند منتصف الليل كان غازي ومجموعة ملحقات دار الهاتف يقومون بدفن الأسلحة جنوب الخرطوم.. حيث يقوم ديوان الزكاة الآن.
بعد ذلك.. وبعد المصالحة ذهبوا يبحثون عنها ولم يجدوها.. وشيء يحدث.
وحدث صاحب الحانة ينزل لي الراية
لنشرع في معنى وتفسير وفهم ما يجري اليوم.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *